الشيخ محمد رشيد رضا
96
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شاء استوفاء والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم الأكرمين . وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى الموصلي حدثنا هدبة بن خالد حدثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « من وعده اللّه على عمل ثوابا فهو منجزه ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار » وقال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمد بن حمزة حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا الأصمعي قال . جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو يخلف اللّه ما وعده ؟ قال لا ، قال أفرأيت من أوعده اللّه على عمله عقابا ايخلف اللّه وعده عليه ؟ فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا أبا عثمان ان الوعد غير الوعيد ان العرب لا تعد عارا ولا خلفا ان تعد شرا ثم لا تفعله ، ترى ذلك كرما وفضلا ، وانما الخلف ان تعد خيرا ثم لا تفعله ، قال فأوجدني هذا في كلام العرب ، قال نعم اما سمعت إلى قول الأول ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي * ولا اختشي من صولة المتهدد واني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على اللّه ضمن لهم إذا فعلوا كذا ان يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من اللّه ؟ والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فان شاء عفا وإن شاء اخذ لأنه حقه . وأولاهما بربنا تبارك وتعالى العفو والكرم انه غفور رحيم . ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال نبئت ان رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول فإذا كان هذا في وعيد مطلق فكيف بوعيد مون باستثناء معقب بقوله ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) وهذا اخبار منه انه يفعل ما يريد عقيب قوله ( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) فهو عائد اليه ولا بد ولا يجوز ان يرجع إلى المستثنى منه وحده بل اما ان يختص بالمستثنى أو يعود اليهما وغير خاف ان تعلقه بقوله ( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) أولى من تعلقه بقوله ( خالِدِينَ فِيها ) وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه الصحابة فقالوا أتت هذه الآية على كل وعيد في الآن . ولم يريدوا بذلك الاستثناء وحده فان الاستثناء مذكور في الانعام أيضا وانما أرادوا انه عقب الاستثناء بقوله ( إِنَّ رَبَّكَ